ابراهيم بن محمد البيهقي

245

المحاسن والمساوئ

أربعمائة فارس ووجّهني مع الرسول وأمرنا بالشد على أيديهم في جمع الخيل والرجال ، وكان الرسول شاعرا ، فبينا نحن نسير إذ سنحت لنا ظباء أعنز فيها تيس يقدمها ، وكان أبو قابوس يواعد للقائه في يوم كذا وكذا ، فنحن نقول إن كان الملك قد خرج في يوم كذا فهو اليوم في موضع كذا وقد أقبلنا ونحن نقود جيشا عرمرما ، فأنشأ الرسول يقول : ألا ليت شعري ما تقول السّوانح * أغاد أبو قابوس أم هو رائح قال : فنظرت إلى التيس عند فراغه من هذا البيت قد دخل في مكنسه حتى توارى فيه ، فدخلني من ذلك ما لم أقدر على أن أمسك نفسي حتى استرجعت . فقال لي رفيقي : ما لك ؟ قلت ؛ إن صدق الزجر فصاحبك قد ثوى في التراب والتحفت عليه أطباق الثرى . قال : كيف ذلك ؟ قلت : وافق فراغك من البيت دخول التيس في مكنسه . فأعرض عني فلمّا أصبحت في اليوم الذي واعدنا للقائه لم يواف ولم يكن بأوشك من أن أتانا الخبر بهلاكه وقعود ابنه ، فأكرمه قيصر وأحسن جائزته . قلنا : أيّد اللّه الوزير ! لقد بلغت ما بلغت باستحقاق ولقد حزت قصبة الرهان في كلّ منقبة . فتبسّم وقال : عزّ الشريف أدبه . وإذا رسول الرشيد قد وافاه فنهض نحوه وتصدّع المجلس وانصرفنا . فلمّا مضى من الليل بعضه إذا أنا بطارق قد طرقني وبين يديه غلمان على أعناقهم البدر وإذا رسول الفضل وقد حمل إليّ مائة ألف درهم وقال : الوزير يقرأ عليك السلام ويقول : ضجرت باستماع الحديث وأوجبت عليّ بذلك منّة وهذه صلة وتحفة في جنب قدرك عندي فخدها ولا تعتدّ بها . فقلت : سبحان اللّه الذي خلق هذا الرجل وجبله على كرم بذّ به من مضى ومن غبر ! وإذا هو قد وجّه إلى أصحابي الذين كانوا معي بمثل الذي وجّه به إليّ ، فغدوت إليه وأردت أن أشكره فقال : واللّه لئن ذهبت تكشف ما ستر اللّه لأجفونّك ! فكأنّما ألقمني بذلك حجرا ، فاحتبسني عنده فطعمت وشربت ورحت وقد حملني على عدّة أفراس بسروج مذهبة ولجم مذهبة ووجّه معي بعشرة تخوت ثياب وعشر بدر . قال فقال المأمون : ويحك يا إسحاق ! ثواب حديثك ضعف ما أمر لك به الفضل وقد أمرت لك بمائة ألف درهم . فقبضت ذلك وانصرفت . قال : وكان محمّد بن حازم قال قصيدته التي يقول فيها : فيا شامتا مهلا فكم من شماتة * تكون لها العقبى لقاصمة الظّهر فاعتلّ محمد ولم يكن يرثه إلّا أخوه وكان بسرّ من رأى « 1 » ، فوجّهت إليه جاريته تعلمه

--> ( 1 ) سرّ من رأى : اسم مدينة بالعراق اختصرت وأصبحت سامراء وبهذا تعرف الآن .